قطاع النفايات يفقد جاذبيته: لماذا تراجعت الاستثمارات في صناعة المخلفات بشكل حاد
انخفض حجم الاستثمارات في قطاع النفايات من 72.6 إلى 12.6 مليار روبل. نستعرض أسباب تراجع الاستثمارات: ارتفاع سعر الفائدة للبنك المركزي، وغياب سوق للمواد الخام الثانوية، ومشاكل جدوى المشاريع الاقتصادية.
8 د قراءة
مشاركة:
ملخص بالذكاء الاصطناعي
انخفضت الاستثمارات في قطاع إدارة النفايات الروسي في النصف الأول من عام 2026 بنحو ستة أضعاف - من 72.6 مليار إلى 12.6 مليار روبل. الأسباب الرئيسية للتراجع هي ارتفاع سعر الفائدة الرئيسي، وزيادة تكاليف البناء، وغياب سوق مستقر لبيع المواد الخام الثانوية. يعتبر الخبراء الوضع بمثابة توقف مؤقت بعد عام 2025 القياسي، لكنهم يحذرون: بدون حل مشكلة الطلب على المواد المعاد تدويرها سيكون من الصعب تحقيق الأهداف بحلول عام 2030.
المستثمرون يخرجون من اللعبة
واجه قطاع إدارة النفايات الروسي تراجعاً حاداً في اهتمام المستثمرين. وفقاً لبيانات محللي "تندر برو"، تقلص حجم الاستثمارات في مشاريع معالجة النفايات والتخلص منها خلال النصف الأول من عام 2026بمقدار ستة أضعاف تقريباً مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي - من 72.6 مليار إلى 12.6 مليار روبل. وفي الوقت نفسه، انخفض عدد المشاريع الجديدة بنسبة 68% - من 69 إلى 22 مشروعاً.
في السنوات الأخيرة، دفعت الدولة بنشاط نحو تطوير الاقتصاد الدائري، واستثمرت أموالاً في بناء مجمعات فرز ومعالجة النفايات، ويُعتبر القطاع نفسه أحد القطاعات الرئيسية لتحقيق الأهداف البيئية للبلاد. لكن على أرض الواقع، تراجع اهتمام المستثمرين بشكل ملحوظ. أصبح القطاع الخاص أكثر حذراً في إطلاق مشاريع جديدة، رغم استمرار الدعم الحكومي والخطط الطموحة للسلطات.
في ظل هذا الوضع، يطرح السؤال نفسه: هل نتحدث فقط عن تراجع مؤقت في النشاط بعد النمو السريع في السنوات الأخيرة، أم أن القطاع يواجه مشكلات تجعل الاستثمار في معالجة النفايات أقل جاذبية مما كان متوقعاً قبل بضع سنوات؟
كيف يبدو قطاع النفايات الروسي اليوم
منذ إطلاق إصلاح النفايات في عام 2019، شهد القطاع تغيرات ملحوظة. ظهرت في المناطق عشرات المجمعات الحديثة لمعالجة النفايات، وتم تحديث نظام المشغلين الإقليميين، وبدأ إنشاء البنية التحتية للفرز والمعالجة.
سنوياً في روسيايتم توليد نحو 50 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية. وفي الوقت الحالي، تخضع نحو 56% من هذا الحجم لعمليات الفرز. وتتطلع السلطات إلى رفع هذا المؤشر إلى 100% بحلول عام 2030، وخفض طمر النفايات إلى 50%، وضمان إعادة تدوير ما لا يقل عن 25% من النفايات في الدورة الثانوية.
غير أن المشاكل القديمة لا تزال قائمة خلف النجاحات الظاهرية. فالقطاع ما زال يعتمد إلى حد كبير على التعريفات والدعم الحكومي. وتحصل المنشآت على الجزء الأكبر من إيراداتها من رسوم جمع ومعالجة النفايات التي يدفعها السكان والشركات. أما بيع المواد الخام الثانوية فلم يصبح بعد مصدر دخل جدياً لمعظم المشاركين في السوق.
ولم يتغير أيضاً دور مواقع الطمر. فرغم تزايد أحجام الفرز، لا يزال جزء كبير من النفايات يُرسل إلى الطمر. وهكذا، تُبنى طاقات جديدة، لكن سوق إعادة التدوير الكاملة تتطور بوتيرة أبطأ بكثير.
خلال سنوات قليلة، أصبح القطاع أكثر حداثة من الناحية التكنولوجية. لكن السؤال حول كيفية جعل إعادة التدوير نشاطاً تجارياً مجدياً اقتصادياً دون دعم حكومي مستمر، لا يزال مفتوحاً حتى الآن.
ما الذي حدث في عام 2025: ذروة النشاط الاستثماري
لن يكون من الصواب تقييم التراجع الحالي في الاستثمارات دون النظر إلى العام الماضي. فقد شهد القطاع في عام 2025 رقماً قياسياً من حيث عدد المشاريع الجديدة وحجم الاستثمارات.
ويعود ذلك إلى حد كبير إلى إطلاق المشروع الوطني "الرفاه البيئي". فقد بدأت المناطق في بناء مجمعات فرز النفايات ومرافق معالجة النفايات والتخلص منها بشكل أكثر نشاطاً. ووسّع المشغل البيئي الروسي تمويل القطاع من خلال القروض الميسرة وإصدار السندات الخضراء. وفي الوقت نفسه، تزايد عدد اتفاقيات الامتياز، التي لا تزال إحدى الآليات الرئيسية لجذب الاستثمارات الخاصة.
وشهدت منطقة موسكو وتتارستان وإقليم كراسنودار وباشكورتوستان ومنطقة نيجني نوفغورود أكثر المشاريع الجديدة نشاطاً في الإطلاق. وتم توجيه الأموال الرئيسية لبناء مجمعات معالجة وتدوير النفايات الصلبة البلدية، بالإضافة إلى مرافق التخلص من النفايات.
في أغسطس 2025، أُعلن أن المشغل البيئي الروسي يخطط لتمويل 11 مشروعاً لبناء مجمعات تدوير النفايات في ثماني مناطق بحلول نهاية العام. وقُدر حجم التمويل الإجمالي بنحو 50 مليار روبل. وفي وقت لاحق، مطلع عام 2026، اتسعت الصورة. فوفقاً لبيانات جديدة، تخطط المناطق لتشغيل 87 منشأة لإدارة النفايات بحلول نهاية عام 2026. وستبلغ طاقتها الإجمالية نحو 8.74 مليون طن للمعالجة و3.66 مليون طن للتخلص سنوياً. علاوة على ذلك، من المقرر بالفعل في عام 2026 تشغيل 14 منشأة للبنية التحتية لإدارة النفايات في 11 منطقة روسية بحجم استثمارات إجمالي يتجاوز 93 مليار روبل.
ويُفسر جزء من التراجع الحالي فعلاً بأن المشاريع الأكبر قد أُطلقت في وقت سابق، وأن القرارات الاستثمارية الجديدة تُتخذ بحذر أكبر بكثير.
لماذا توقفت الأموال عن التدفق إلى القطاع
السبب الرئيسي الذي يشير إليه المشاركون في السوق هو ارتفاع تكلفة الأموال. فبسبب ارتفاع سعر الفائدة الرئيسي، أصبحت القروض أكثر تكلفة بشكل ملحوظ، في حين أن مشاريع النفايات تُبنى دائماً تقريباً على أموال مقترضة وتتطلب استثمارات كبيرة في البداية.
يمكن أن يكلف مجمع حديث واحد لتدوير النفايات نحو 10 مليارات روبل. وفي ظل هذه الظروف، تؤثر تكلفة القرض بشكل مباشر على ما إذا كان المشروع "سيتوافق" اقتصادياً أم لا. كما أن ارتفاع تكاليف البناء يزيد الوضع تعقيداً. فخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار المعادن ومواد البناء والخدمات اللوجستية والمعدات. واضطرت العديد من الشركات إلى مراجعة التقديرات وزيادتها. لكن الأمر لا يتعلق فقط بتكلفة البناء. فهذه المشاريع تستغرق وقتاً طويلاً لتحقيق العائد على الاستثمار - غالباً ما يتراوح بين 10 و15 عاماً أو أكثر. وبالنسبة للمستثمر، يعني ذلك أن الأموال "معلقة" لفترة طويلة، وتتراكم المخاطر الكثيرة خلال هذه الفترة.
وتمثل التعريفات مشكلة منفصلة. فإيرادات الشركات تعتمد على قرارات السلطات الإقليمية، ولا يتسنى دائماً تعويض ارتفاع النفقات بسرعة من خلال رفع التعريفات.
وتضيف التقنيات تعقيدات إضافية. فبعد مغادرة جزء من الموردين الأجانب، اضطرت الشركات إلى تغيير سلاسل التوريد والبحث عن بدائل للمعدات وإعادة بناء منظومة الخدمات من جديد. وهو ما أدى بدوره إلى زيادة المدد الزمنية وتكاليف المشاريع.
التغييرات التشريعية والمتطلبات الجديدة
في السنوات الأخيرة، عززت الدولة بشكل ملحوظ الرقابة التنظيمية في مجال إدارة النفايات واقتصاد الدائرة المغلقة. ومن أبرز التوجهات تحديث نظام المسؤولية الموسعة للمنتجين. والفكرة الأساسية هي أن الشركات التي تنتج السلع والتعبئة والتغليف يتعين عليها إما تنظيم عملية إعادة تدويرها بنفسها، أو دفع رسوم بيئية.
وبالتوازي مع ذلك، تُفرض متطلبات جديدة بشأن استخدام المواد الخام الثانوية، وتظهر تدابير لدعم شركات إعادة التدوير، فيما يصبح تمويل القطاع عبر المشغل البيئي الروسي أكثر انتظاماً. غير أن الأهداف تبقى صارمة إلى حد كبير. فبحلول عام 2030، من المخطط الوصول إلى فرز كامل للنفايات بنسبة مئة بالمئة وزيادة حصة إعادة التدوير بشكل كبير. لكن السؤال الرئيسي لا يزال دون إجابة: هل ستتمكن هذه المنظومة بأكملها من خلق سوق مستدامة للمواد الخام الثانوية، قادرة على العمل بشكل مستقل دون ضخ مستمر من الموازنة؟
المشكلة الرئيسية: لمن نبيع المواد الخام الثانوية؟
هذا السؤال بالتحديد يعتبره كثيرون الأهم لفهم مشاكل القطاع. فقد شهد فرز النفايات نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وبدأت المنشآت بالعمل، لكن الطلب على المواد الخام الثانوية لم يواكب هذا التطور. والنتيجة أن شركات إعادة التدوير تواجه وضعاً متكرراً: فرز المواد أسهل من بيعها لاحقاً.
وهذا واضح بشكل خاص في البلاستيك والورق المستعمل وجزء من مواد التعبئة والتغليف. وكثيراً ما يحدث أن تكون المواد الخام الأولية أرخص من المعاد تدويرها. لذلك يجد المصنعون أن العمل مع المواد "الأولية" أسهل وأكثر ربحية. ويزيد الوضع تعقيداً غياب متطلبات إلزامية في كثير من المجالات لاستخدام المواد الخام الثانوية. وطالما بقي الأمر متروكاً لتقدير الشركات، فلن يتشكل طلب مستقر في السوق.
والمحصلة اختلال في التوازن: فطاقات إعادة التدوير تنمو أسرع من تشكّل سوق التصريف. وفي ظل هذا الوضع، تثار لدى المستثمرين تساؤلات حول قدرة القطاع على تحقيق أرباح مستقرة على المدى الطويل.
ثمن التأخر: المخاطر البيئية والاقتصادية
إذا طال أمد تراجع الاستثمارات، فإن التبعات ستتجاوز حدود القطاع نفسه بكثير. من الناحية البيئية، يبدو الخطر الرئيسي واضحاً: قد لا تتمكن مواقع الطمر الحالية ببساطة من تحمل الضغط. فإذا لم يتم تشغيل طاقات جديدة لمعالجة النفايات في الوقت المحدد، ستستمر الحصة الأكبر من النفايات في التوجه نحو الدفن. وفي النهاية، سيصبح من الأصعب على البلاد تحقيق الأهداف البيئية المعلنة.
وهناك أيضاً الجانب الاقتصادي للمسألة. فخلال السنوات الأخيرة، تم ضخ عشرات المليارات من الروبلات في القطاع. وإذا بقيت المنشآت المُنجزة تعمل دون طاقتها الكاملة، فإن كفاءة هذه الاستثمارات ستكون أقل من المتوقع.
وبالتوازي مع ذلك، قد يتراجع اهتمام القطاع الخاص. فإذا ترسّخ السوق كسوق منخفض الهوامش الربحية ويعتمد بشكل كبير على الدولة، سيصبح جذب مستثمرين جدد أكثر صعوبة.
ولا ينبغي إغفال التبعات الاجتماعية أيضاً. فالعجز في الطاقات الحديثة عادة ما يؤدي إلى نزاعات حول مواقع الطمر الجديدة ومنشآت المعالجة. وقد تكررت مثل هذه الحالات في الأقاليم أكثر من مرة.
يبقى المثال الأشهر هو قصة محطة شييس في إقليم أرخانغيلسك. فمن عام 2018 حتى 2021، استمرت الاحتجاجات هناك ضد بناء موقع طمر كبير لاستقبال النفايات التي كان مخططاً نقلها من موسكو وغيرها. وخلال تلك الفترة، جرت عشرات التظاهرات والاعتصامات، وأُقيمت مخيمات دائمة للناشطين، ووصلت القضية إلى المستوى الفيدرالي.
في يناير 2020، اعتبرت محكمة التحكيم في إقليم أرخانغيلسك جزءاً من المنشآت في محطة شييس غير قانونية. وفي خريف العام نفسه، أيدت محكمة الاستئناف هذا القرار. وبعد ذلك، توقف المشروع فعلياً، وفي يناير 2021، أعلنت حركة "أوردوما النظيفة" عن إنهاء الحملة الاحتجاجية التي استمرت أكثر من عامين.
أظهرت قصة شييس أن المشاكل المتعلقة بتطوير البنية التحتية الحديثة لإدارة النفايات يمكن أن تتحول من قضية بيئية إلى صراع اجتماعي خطير. لذلك، فإن مسألة بناء طاقات المعالجة اليوم لا ترتبط فقط بتحقيق المؤشرات البيئية، بل أيضاً بالاستقرار المجتمعي في الأقاليم.
هل يشهد القطاع حقاً حالة من التراجع؟
على الرغم من ضعف الإحصاءات، لا يسارع كثير من المشاركين في السوق إلى وصف الوضع بالأزمة. ففي هذا القطاع، من المهم مراعاة الدورة الطويلة للمشاريع. إذ غالباً ما تمر ثلاث سنوات أو أكثر من الفكرة إلى تشغيل المنشأة. لذلك، فإن تراجع الاستثمارات في سنة بعينها لا يعني بالضرورة توقف البناء.
وهناك جانب آخر: يمكن للمشاريع الكبرى أن "تشوّه" الإحصاءات. فمجمّع واحد بقيمة 10-15 مليار روبل قد يرفع أو على العكس يخفض حجم الاستثمارات الإجمالي للعام بشكل حاد. ومع ذلك، يستمر التطوير. ففي عام 2026 تدخل منشآت جديدة حيز التشغيل، وتعمل امتيازات أُطلقت سابقاً، بينما يواصل المشغل البيئي الروسي تمويل البنية التحتية.
لذلك، فإن التراجع الحالي يبدو أشبه بفترة توقف عادية بعد مرحلة من النمو النشط، وليس أزمة.
ما الذي ينتظرنا مستقبلاً؟
يعتمد مستقبل القطاع إلى حد كبير على الوضع الاقتصادي العام، وعلى ما إذا كانت الدولة ستنجح في بناء سوق طبيعية للمواد الخام الثانوية. فإذا انخفضت تكلفة القروض، سيعود جزء من المشاريع ليصبح جذاباً للمستثمرين مجدداً. وقد يأتي تأثير إضافي من توسيع الدعم عبر المشغل البيئي الروسي وآليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لكن السؤال الأساسي ليس حتى في هذا. الأهم هو ما إذا كان سيظهر طلب مستقر على المواد الخام الثانوية. فإذا بدأ استخدامها بشكل أكثر نشاطاً وبصورة إلزامية، ستصبح إعادة التدوير أكثر استدامة من الناحية الاقتصادية. لكن النظام حتى الآن يظل هشاً. وفي ظل الهيكل الحالي للسوق، سيكون تحقيق الأهداف بحلول عام 2030 أصعب مما بدا قبل بضع سنوات.
في النهاية، لم تعد المشكلة في بناء طاقات فرز جديدة. الأهم هو إنشاء سوق فاعلة للمواد الخام الثانوية، حيث يكون لها سعر واضح وطلب مضمون. فبدون ذلك، حتى مع الدعم الحكومي، سيظل تدفق الاستثمارات الخاصة محدوداً.