في فبراير 2026، اقترح النائب في مجلس الدوما كابلان بانيش فرض مسؤولية جنائية على بائعي السيارات الذين يتلاعبون بعداد المسافة المقطوعة. وتظل مشكلة التلاعب بعداد المسافات في سوق السيارات المستعملة في روسيا ظاهرة واسعة الانتشار: إذ تشير تقديرات جمعية "وكلاء السيارات الروس" (РОАД) إلى أن علامات التلاعب بعداد المسافة تُكتشف في أكثر من 30% من السيارات المستعملة. ووفقاً لبيانات الجمعية، قد تتجاوز الخسائر الإجمالية التي يتكبدها المشترون جراء هذه الممارسات 600 مليار روبل سنوياً. وفي ظل إتمام أكثر من 5 ملايين صفقة بيع وشراء للسيارات المستعملة سنوياً في روسيا، فإن حجم المشكلة يجعل من النقاش حول تشديد العقوبات على التلاعب بعداد المسافة أمراً ذا أهمية اقتصادية واجتماعية.
90% من السيارات بعدادات مسافة محرّفة - أسطورة أم حقيقة؟
يتردد حالياً في الساحة العامة تقدير يفيد بأن ما يصل إلى 90% من السيارات في سوق المستعمل تحمل عدادات مسافة محرّفة. غير أن الخبير في مجال صناعة السيارات أرتيم ساموردوف يرى أن هذا الرقم مبالغ فيه:
"أنا على يقين من أن هذه صورة تشاؤمية مفرطة. لكن الأمر المختلف هو أن أسطول سياراتنا يتميز بمتوسط عمر مرتفع، وفي السيارات القديمة غالباً ما يُولى اهتمام ضئيل لدقة عداد المسافة. أعتقد أن الصورة الواقعية تشير إلى أن ما بين ربع وثلث السيارات قد تحمل عدادات مسافة محرّفة."
وتؤكد الإحصاءات الرسمية أن أسطول السيارات الروسي يشهد بالفعل تقادماً متزايداً. فوفقاً لبيانات وكالة "أفتوستات" التحليلية، تجاوز متوسط عمر السيارات الخفيفة في روسيا 15 عاماً بحلول عام 2024. وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات خبراء "أفتوستات" إلى أن أكثر من 70% من سوق السيارات المستعملة تتكون من سيارات يزيد عمرها عن 10 سنوات، حيث تكون الرقابة على تاريخ الاستخدام أضعف بطبيعة الحال.
كما تُظهر الدراسات الدولية حجم المشكلة. فوفقاً لبيانات شركة carVertical، التي تحلل تاريخ السيارات في مختلف البلدان، تم اكتشاف علامات التلاعب بعداد المسافة في روسيا خلال عام 2023 لدى نحو 30-35% من السيارات التي خضعت للفحص.
لماذا لم يتطهر السوق حتى الآن؟
على عكس الاعتقاد السائد، فإن السوق ليس مكتوف الأيدي.
"السوق لا يتسامح مع ذلك. إيجاد شرح على الإنترنت حول كيفية التحقق من عداد المسافة المقطوعة أمر سهل للغاية. تُظهر خدمات فحص المركبات جميع المعلومات المتاحة، حيث تجمع البيانات من مراكز الصيانة وصالات العرض والعديد من المصادر الأخرى. وقد دعت جمعية РОАД منذ وقت طويل إلى فرض عقوبات على التلاعب بعداد المسافة، وتتبنى جميع الجمعيات المعنية بقطاع السيارات المبادئ ذاتها."
يعمل في السوق اليوم بالفعل مجمّعو بيانات يقومون بجمع المعلومات من شركات التأمين ومراكز الوكلاء ودور المزادات ومراكز الصيانة الفنية. وفقاً لبيانات РОАД، تُعد شفافية تاريخ المركبة أحد العوامل الرئيسية لتطوير سوق ثانوية متحضرة.
غير أن المشكلة لا تزال قائمة بسبب تجزؤ البيانات. إذ لا توجد في روسيا قاعدة بيانات حكومية موحدة وإلزامية لتسجيل عداد المسافة عند كل فحص دوري أو إصلاح. وهذا على عكس عدد من دول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، حيث يتم تسجيل قراءة العداد أثناء الفحص الفني في السجلات الوطنية.
كيف يمكن التحقق من عداد المسافة اليوم؟
بحسب الخبير، فإن الأدوات موجودة بالفعل:
"تلك الأدوات بالذات – مجمّع فحص المركبات، وتشخيص وحدات السيارة في مركز الصيانة، والعين الشخصية."
تُظهر الممارسة العملية أن الفحص الإلكتروني لوحدات التحكم يتيح بالفعل الكشف عن التباينات بين بيانات لوحة العدادات والمعلومات المخزنة في وحدات السيارة الأخرى. علاوة على ذلك، غالباً ما تكشف المؤشرات غير المباشرة (تآكل عجلة القيادة والدواسات والمقاعد) عدم تطابق المسافة المقطوعة المُعلنة مع الواقع.
وفقاً لبيانات أكبر المنصات الإلكترونية، يستخدم ما يصل إلى 60% من مشتري السيارات المستعملة في المدن الكبرى خدمات التحقق من السجل بالفعل.
هل ستختفي عمليات التلاعب أم ستظهر أساليب جديدة؟
تشديد المسؤولية لا يضمن اختفاء عمليات التلاعب.
"أفترض أن جميع هذه الأساليب موجودة حالياً. لذلك من غير المرجح أن تُعتبر بديلاً عن التلاعب بالمسافة المقطوعة."
يتعلق الأمر بدفاتر الصيانة المزورة، واستبدال الوحدات الإلكترونية، و"تلفيق" سجل الصيانة. في الواقع، يتم تطبيق العديد من هذه الأساليب بالفعل بالتوازي مع التلاعب بعداد المسافات.
السجن أم الغرامة؟
السؤال الرئيسي هو مدى ملاءمة العقوبة. هل يجب أن يُعاقب التلاعب بالمسافة المقطوعة بالسجن؟
"السجن؟ يبدو لي هذا الخيار مبالغة غير مبررة. الغرامات؟ نعم، هذا الإجراء سيسمح بالقضاء على معظم 'الخبراء' إذا كانت الغرامات مرتفعة بما فيه الكفاية."
المنطق الاقتصادي هنا واضح: إذا لم تكن العقوبة متناسبة مالياً مع المكاسب المحققة، فإنها لن تكون فعالة. وفقاً لتقديرات المشاركين في السوق، يمكن أن يؤدي التلاعب بعداد المسافة المقطوعة إلى رفع سعر السيارة بنسبة 10-30%. بالنسبة للفئة الشعبية، يعني ذلك عشرات ومئات الآلاف من الروبلات. مع انخفاض المخاطر وغياب المساءلة الجادة، تظل هذه الممارسة مغرية.
في عدد من دول الاتحاد الأوروبي، تُفرض غرامات كبيرة ومسؤولية جنائية على التلاعب بعداد المسافة المقطوعة. على سبيل المثال، في ألمانيا يُعاقب على التلاعب بعداد المسافات بالسجن لمدة تصل إلى عام واحد أو بغرامة مالية. لكن الدور الأساسي هناك لا يلعبه صرامة العقوبة، بل احتمالية كشف المخالفة العالية بفضل قواعد البيانات المركزية.
ما الذي سيحقق أقصى فعالية؟
يتفق خبراء السوق على أن الحل المنهجي سيكون الأكثر فعالية: تسجيل إلزامي للمسافة المقطوعة عند كل فحص فني، وحالة تأمينية، وصيانة لدى الوكيل، وعند بيع السيارة.
"المجمّعات، أي قواعد البيانات التي تحتوي على المسافات المقطوعة، موجودة بالفعل. لكن سيكون من المفيد زيادة نقاط جمع المعلومات حول المسافة المقطوعة."
وفقاً لبيانات إدارة المرور الحكومية ГИБДД، يتم سنوياً في روسيا إجراء أكثر من 5 ملايين صفقة بيع وشراء للسيارات المستعملة. حتى التكامل الرقمي الجزئي لهذه البيانات قادر على تقليص هامش التلاعب بشكل كبير.
إن اقتراح فرض المسؤولية الجنائية هو في المقام الأول إشارة إلى نية الدولة في تشديد قواعد اللعبة. لكن كما تُظهر تجارب الدول الأخرى، فإن الأثر الفعلي لا يتحقق بالإجراءات العقابية وحدها، بل بشفافية البيانات أيضاً.
على الأرجح، لن تكون النتيجة الرئيسية للإصلاح موجة من الاعتقالات، بل تحولاً تدريجياً في السوق: تعزيز الرقابة الرقمية، وتزايد الطلب على الفحوصات الرسمية، وارتفاع مستوى مسؤولية البائعين.
أما إذا كانت الغرامات ملموسة حقاً ومتناسبة مع المنفعة الاقتصادية من التلاعب، فكما يشير الخبير، سيغادر معظم "الحرفيين" السوق ببساطة - لأن المخاطرة لن تعود مبررة.