المناخ والمال: كيف تشكّل الكوارث الطبيعية والبيئة أسواقاً مالية جديدة
تُلحق الكوارث الطبيعية أضراراً بقيمة 2.3 تريليون دولار سنوياً. كيف تعمل سندات الكوارث والسندات الخضراء، ولماذا تشهد أسواقها نمواً متسارعاً، وما الذي يحدث لهذه الأدوات في روسيا؟ قراءة في آليات التمويل المناخي الجديدة.
8 د قراءة
مشاركة:
ملخص بالذكاء الاصطناعي
تُلحق الكوارث الطبيعية أضراراً بالاقتصاد العالمي تتجاوز 2.3 تريليون دولار سنوياً، مما يحفز تطوير أدوات مالية جديدة لإدارة المخاطر المناخية. تتيح سندات الكوارث نقل مخاطر الكوارث الطبيعية إلى المستثمرين، وتقدم عوائد تصل إلى 11.8%، بينما تمول السندات الخضراء المشاريع البيئية - حيث وصل سوقها إلى 2.9 تريليون دولار. في روسيا، لا تزال كلتا الأداتين متخصصتين بسبب التكاليف المرتفعة وضعف الطلب والاعتماد على الدعم الحكومي.
المناخ كتهديد عالمي للاقتصاد
تتزايد وتيرة الكوارث الطبيعية بشكل متسارع في العقود الأخيرة. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تتجاوز الخسائر السنوية الناجمة عن الكوارث الطبيعية 2.3 تريليون دولار، مع احتساب التبعات غير المباشرة والآثار على النظم البيئية. ويشكل تزايد وتيرة الأعاصير وحرائق الغابات والفيضانات ضغطاً كبيراً على الموازنات العامة والأسواق. وقبل بضع سنوات، بدأت شركات التأمين والجهات الرقابية بالاهتمام بأدوات تتيح إعادة توزيع المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية عبر أسواق رأس المال.
في الوقت نفسه، لا تغطي التعويضات التأمينية سوى جزء من النفقات: ففي الاتحاد الأوروبي مثلاً، لا يُؤمَّن سوى ربع الخسائر الناجمة عن الكوارث المناخية تقريباً، وفي دول أخرى أقل تطوراً يكون هذا المؤشر أكثر تواضعاً. ففي الهند وفيتنام وإندونيسيا والفلبين، لا تتجاوز التغطية التأمينية نسبة 1%، في حين أن جنوب شرق آسيا معرضة بشكل خاص للكوارث الطبيعية، إذ تشهد المنطقة نحو 40% من جميع الكوارث الطبيعية على مستوى الكوكب، بما في ذلك الأعاصير والفيضانات والزلازل وأمواج التسونامي.
يؤثر حجم هذه النفقات على موازنات الدول والقطاع الخاص: إذ يتعين إعادة بناء المنازل والبنية التحتية على حساب شركات التأمين أو الدولة. غير أن آليات التأمين التقليدية عاجزة في بعض الحالات عن تغطية الخسائر. ونتيجة لذلك، يبحث المستثمرون والحكومات في السنوات الأخيرة عن أدوات تمويل بديلة ويعملون على تطويرها، ومن بينها السندات الخضراء لتمويل مشاريع التخفيف من آثار التغير المناخي، والسندات الكارثية لنقل مخاطر الكوارث الطبيعية.
الاستثمار في مواجهة الكوارث: كيف تعمل السندات الكارثية
السندات الكارثية (CAT-بوندز) هي نوع خاص من أدوات التأمين، يتيح نقل مخاطر الكوارث الطبيعية إلى المستثمرين. تُصدر شركة التأمين السند وتعرض على المستثمر عائداً مرتفعاً مقابل تحمله مخاطر وقوع حدث معين - إعصار أو فيضان أو زلزال وما إلى ذلك. وإذا وقع الحدث المؤمَّن عليه، تنتقل الأموال المستثمرة إلى شركة التأمين. بعبارة أخرى، يحصل المستثمر على عائد أعلى (بلغ متوسط العائد السنوي في يونيو 2025 نسبة 11.8%، أي ضعف متوسط العائد على سندات الشركات الأمريكية)، لكنه يخاطر بخسارة رأس المال بالكامل في حال وقوع الكارثة.
ظهرت هذه الآلية بعد إعصار «أندرو»، الذي ألحق أضراراً بجنوب فلوريدا عام 1992 بلغت 15.5 مليار دولار، وأدى إلى إفلاس 16 شركة تأمين على الأقل. ومنذ ذلك الحين، شهد سوق سندات الكوارث نمواً سريعاً، خاصة في الولايات المتحدة. وبنهاية عام 2024، بلغ حجم السوق مستوى قياسياً عند 17.7 مليار دولار، وبحلول نهاية صيف 2025 كان قد تم إصدار نحو 18.4 مليار دولار من السندات. وفي ربيع 2025، أُطلق في بورصة نيويورك أول صندوق متداول في العالم يستثمر في سندات الكوارث، مما عزز اهتمام المستثمرين بشكل إضافي.
يدعم الطلب من جانب شركات التأمين التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا: إذ أصبحت إعادة بناء البنية التحتية والعقارات المدمرة أكثر تكلفة. أما اهتمام المستثمرين فيعود إلى أن الأحداث الكارثية (الأعاصير والزلازل) ترتبط بشكل ضعيف بأسواق الأسهم المتقلبة، كما أن عوائد سندات الكوارث أعلى من معظم السندات الأخرى. فعلى سبيل المثال، تبلغ عوائد سندات الشركات الأمريكية عالية العائد نحو 6.7%، بينما تتراوح عوائد السندات ذات التصنيف BBB وأعلى عند 4.5-5% تقريباً. ومن الحوافز الإضافية للمستثمرين انخفاض مستوى الخسائر: فحتى الأعاصير الكبرى في عام 2024 - «هيلين» و«ميلتون» - لم تؤدِ إلى مدفوعات كبيرة لحاملي السندات. ولا يمكن أن تحدث الخسائر إلا في حالة وقوع أحداث مدمرة حقاً، مماثلة لإعصار «كاترينا» عام 2005.
يتوسع سوق سندات الكوارث تدريجياً، بما في ذلك خارج الولايات المتحدة. وظهرت إصدارات مجمعة تؤمن ضد عدة أنواع من الكوارث في آن واحد (تساقط الثلوج، الفيضانات، إلخ)، كما تتسع الجغرافيا الخاصة بالجهات المُصدرة: ففي عام 2025، غطت بعض الإصدارات خسائر الزلازل في الهند والفيضانات في المملكة المتحدة. وستستمر هذه النزعة نحو النمو: وفقاً لتوقعات Moody's، قد يتجاوز إجمالي حجم إصدار سندات الكوارث 20 مليار دولار بنهاية عام 2025. ويؤثر النمو السريع لسندات الكوارث بالفعل على سوق إعادة التأمين: إذ أصبح المستثمرون يتحملون عن طيب خاطر جزءاً من المخاطر التي كانت تنتقل عادة إلى شركات إعادة التأمين، مما يقلل من حصة اللاعبين التقليديين.
الديون الخضراء: كيف نموّل المشاريع البيئية عبر السندات
السند الأخضر هو أداة دين يلتزم فيها المقترض باستخدام الأموال المُجمّعة حصرياً في المشاريع البيئية. وهو في الواقع سند عادي، لكن بتصنيف بيئي. وعادة ما تموّل هذه الأوراق المالية بناء محطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وتحديث أنظمة الصرف الصحي والمعالجة، وغيرها من المشاريع البيئية.
بدأ دخول السندات الخضراء إلى السوق عام 2007 مع أول إصدار لسندات Climate Awareness Bonds من بنك الاستثمار الأوروبي. وفي عام 2008، أصدر البنك الدولي أول سندات تحمل التسمية الرسمية «Green Bonds»، مما رسّخ هذه الأداة على المستوى الدولي.
ومنذ ذلك الحين، شهد الطلب على هذه الأدوات نمواً متسارعاً. وفقاً لبيانات LSEG، بلغت القيمة السوقية الإجمالية لسوق السندات الخضراء 2.9 تريليون دولار - أي ما يقارب ستة أضعاف النمو منذ عام 2018، فيما تجاوز حجم الإصدارات في عام 2024 مبلغ 570 مليار دولار (بزيادة 10% عن العام السابق). وتبقى دول أوروبا والولايات المتحدة الرائدة التقليدية في سوق السندات الخضراء: إذ استحوذ الاتحاد الأوروبي في عام 2024 على ما يقارب 60% من الإصدارات العالمية (388 مليار دولار)، فيما احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى بين الدول بحجم إصدارات بلغ 85 مليار دولار.
غير أن الوضع تغير في عام 2025: فللمرة الأولى، تفوق سوق السندات الخضراء الصيني على منافسيه الغربيين. في عام 2025، تستحوذ الصين على أكثر من 17% من الإصدارات العالمية للسندات "الخضراء"، في حين لا تتجاوز حصة الولايات المتحدة 3% فقط. وتكمن الأسباب في التالي: تدعم بكين بنشاط إزالة الكربون من الاقتصاد، من خلال جذب الأموال لبناء محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية وغيرها من المشاريع "الخضراء". أما في الولايات المتحدة، فقد أدى عدم اليقين السياسي والموقف المتشكك لإدارة دونالد ترامب تجاه الأجندة "الخضراء" إلى تراجع الطلب على هذه الأوراق المالية - رغم أن العديد من المستثمرين لا يزالون يمولون المشاريع البيئية، إلا أنهم يتجنبون استخدام مصطلح "السندات الخضراء" رسمياً.
Объем выпуска «зеленых» облигаций по странам, 2015-2025 гг. Источник: Financial Times
يتمثل المخاطر النظامية الرئيسية للسندات الخضراء في غياب مصطلحات موحدة وصارمة وآليات رقابة فعالة. فالمعايير المختلفة وضعف التحقق يسمحان لبعض الإصدارات بحمل تسمية "خضراء" شكلياً دون تأثير بيئي حقيقي (الغسل الأخضر)، مما يتطلب من المستثمرين فحصاً دقيقاً للمشاريع والوثائق. في النهاية، لا يزال السوق صغيراً مقارنة بالاستثمارات اللازمة لتحقيق الأهداف المناخية: فالإصدارات السنوية الحالية تغطي جزءاً فقط من الأموال المطلوبة (تشير التقديرات إلى الحاجة لنحو 2 تريليون دولار سنوياً لمعالجة التحديات المناخية).
في الخلاصة، توفر كل من السندات الخضراء وسندات الكوارث أدوات جديدة لتمويل المخاطر المناخية، لكن فعاليتها تعتمد على إحكام المعايير والشفافية. وفي غياب التنظيم المناسب، تواجه هذه الأدوات خطر البقاء ضمن نطاق محدود، فيما ستستمر الموازنة العامة في تحمل العبء الأكبر لمعالجة آثار الكوارث المناخية.
السندات الخضراء وسندات الكوارث في روسيا: بداية الطريق
في السوق المحلية للتمويل المستدام، ظهرت السندات الخضراء مؤخراً فقط، ولا تزال أحجامها متواضعة. ففي عام 2024، بلغ إجمالي إصدارات سندات ESG 52,8 مليار روبلفقط، منها 2,8 مليار روبل سندات خضراء (5,3% من الإصدارات الجديدة).
وللمقارنة: في ذروة الاهتمام عام 2021، تجاوزت حصة الإصدارات الخضراء 70%. آنذاك، كانت موسكو أكبر جهة مُصدِرة، حيث طرحت حكومة العاصمة سندات خضراء بقيمة 70 مليار روبل، خُصص منها 60 مليار روبل لبناء وتحديث مترو الأنفاق (بما في ذلك الخط الدائري الكبير)، وحوالي 10 مليارات روبل لشراء 400 حافلة كهربائية. كما تم شراء 51 حافلة كهربائية إضافية من عائدات الإصدار الثاني للسندات الخضراء في عام 2023. أثبت هذا المشروع أن السندات الخضراء قادرة على تمويل مشاريع بنية تحتية محددة، تعود بفائدة ملموسة على المدينة وتُشرك السكان في الاستثمار في تطوير بيئتهم الحضرية.
غير أن السنتين الأخيرتين شهدتا قيام شركة واحدة فقط بإصدار هذه الأوراق المالية وهي شركة ПАО «ЕвроТранс»: في عام 2024 إصداران بقيمة 2 و0,8 مليار روبل، وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 بقيمة 4 مليارات روبل. وفقاً لبيانات البنك المركزي، بلغ إجمالي إصدارات السندات في قطاع التنمية المستدامة حتى أكتوبر 2025 نحو 504 مليارات روبل، منها 267 مليار روبل سندات خضراء. وهذا يمثل أقل من 1% من إجمالي سوق السندات الروسية.
في الوقت نفسه، تم إنشاء البنية التحتية اللازمة في روسيا: حيث تم اعتماد التصنيف الوطني للمشاريع "الخضراء" و"الانتقالية"، ويعمل نظام التحقق الخارجي الذي يؤكد امتثال الإصدارات للمتطلبات المحددة. وقد حدّث البنك المركزي الروسي منهجيات أوزان المخاطر لتحفيز البنوك على تمويل المشاريع المستدامة، فيما أطلقت بورصة موسكو قطاع التنمية المستدامة لإدراج هذه السندات. كما حددت الحكومة في عام 2025 قائمة الاتجاهات ذات الأولوية بشكل أكثر دقة - من مصادر الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة إلى الهيدروجين وتقنيات احتجاز الكربون - مما يجعل معايير اختيار المشاريع أكثر قابلية للتنبؤ.
لكن رأس المال الخاص لا يتعجل في دخول هذا السوق. فالأسباب تكمن في أن الحصول على الشهادة "الخضراء" مكلف، ويصعب تداول هذه السندات في السوق الثانوية، كما أن الطلب المستقر من جانب المستثمرين الخاصين العاديين شبه معدوم - حيث يقتصر الشراء في الأساس على البنوك الحكومية والمؤسسات المرتبطة بالدولة. وبحسب تقديرات المشاركين في السوق، فإن إصدار السندات الخضراء يكلف الجهة المصدرة ما بين 0.20 إلى 0.25 نقطة مئوية أكثر من الدين العادي، في حين أن العلاوة من جانب المستثمرين تكاد تكون منعدمة.
أما بالنسبة لسندات الكوارث، فهي لا تزال غير مطبقة عملياً في روسيا. ورغم أن البنك المركزي دعا شركات التأمين منذ عام 2022 إلى تطوير أدوات مماثلة، إلا أن القطاع لا يزال يعتمد على الآليات التقليدية مع شركات التأمين وعلى دعم الدولة. ومن الأمثلة على ذلك الوضع في عدد من المناطق الروسية (مناطق روستوف وبيلغورود وفورونيج)، حيث تم إعلان حالة الطوارئ لضمان تعويضات التأمين للمزارعين بعد موجات الصقيع الربيعية. ويطرح هذا تساؤلاً حول ما يجب أن تفعله المزارع التي تجد نفسها في وضع مماثل لكنها لا تستطيع الحصول على إعلان حالة الطوارئ - ففي غياب أدوات متخصصة، تبقى المخاطر على عاتق الموازنة العامة.
وبالتالي، يمكن توقع مزيد من النمو في سوق السندات الخضراء وسندات الكوارث عالمياً. ومن المرجح أن تعمل شركات التأمين والدول بشكل متزايد على نقل المخاطر المناخية إلى سوق رأس المال، إلا أن سندات الكوارث ستظل عالية المخاطر ومتقلبة، خاصة بالنسبة للمستثمرين الكبار، بسبب خطر "صدمة كبيرة واحدة". أما السندات الخضراء فلديها آفاق أكثر استقراراً: حيث سيتزايد الطلب على تمويل مصادر الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، لكن التوسع يعتمد على الجدوى الاقتصادية للمشاريع، وسياسة الطاقة الحكومية القابلة للتنبؤ، والقواعد الشفافة للمستثمرين. وإلا فإن الإصدارات "الخضراء" تخاطر بأن تظل أداة متخصصة تعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي.