المعدن الذي لا يمكن للاقتصاد الحديث الاستغناء عنه
يُعد الألومنيوم أحد المعادن الأساسية في الاقتصاد الحديث. فهو يدخل على نطاق واسع في قطاعات البناء والنقل والطيران والطاقة وغيرها. ويكتسب الطلب عليه زخماً إضافياً مع التحول في قطاع الطاقة، حيث يُستخدم بكثافة في تصنيع السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وخطوط نقل الكهرباء.
في الوقت نفسه، لا تزال سوق هذا المعدن شديدة الحساسية للصدمات الخارجية. فإنتاج الألومنيوم يتطلب كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، كما أن سلاسل الإمداد الدولية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنقل البحري. لذا فإن أي اضطرابات في قطاع الطاقة أو طرق النقل تنعكس بسرعة على أسعار المعدن.
في هذا السياق، شكّل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط عامل خطر جدي للسوق. ففي مطلع مارس 2026، ارتفع سعر الألومنيوم في بورصة لندن للمعادن إلى نحو 3.3 ألف دولار للطن، محققاً أعلى مستوى له منذ عام 2022. ويرتبط ارتفاع الأسعار بشكل مباشر بتعطل الإمدادات من دول الخليج العربي، أحد أهم مراكز الإنتاج والتصدير العالمية للألومنيوم.
لماذا "انتقل" الألومنيوم إلى دول الخليج
ظهرت أولى مصانع الألومنيوم في دول الخليج العربي في سبعينيات القرن الماضي. آنذاك، وعلى خلفية أزمات النفط، بدأت دول المنطقة في البحث عن سبل لتنويع اقتصاداتها، فاستثمرت جزءاً من عائدات النفط في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وفي تلك الفترة تحديداً، أُنشئت أولى مصانع الألومنيوم في الإمارات والبحرين.
لكن النمو الحقيقي للقطاع بدأ في مطلع الألفية الثانية. وخلال العقدين التاليين، تحولت دول الشرق الأوسط إلى أحد المراكز الرئيسية لصناعة الألومنيوم العالمية.
كان العامل الرئيسي وراء هذا التطور هو اقتصاديات الإنتاج. فصهر الألومنيوم الأولي يتطلب كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية، حيث تمثل تكاليف الطاقة نحو 30-40% من تكلفة إنتاج المعدن. لذلك تُقام مصانع الألومنيوم تقليدياً في المناطق التي تتوفر فيها طاقة رخيصة.
استطاعت دول الخليج الفارسي تقديم هذه الشروط تحديداً. فبفضل الوصول إلى الغاز الطبيعي منخفض التكلفة نسبياً والاستثمارات الحكومية الضخمة، أقامت المنطقة مجمعات معدنية حديثة، يُعد العديد منها اليوم من بين الأكبر في العالم.
تستحوذ دول المنطقة على نحو 9% من الطاقة الإنتاجية العالمية للألمنيوم، ما يجعل الخليج الفارسي أكبر مركز لإنتاج هذا المعدن خارج الصين. وتقوم الشركات الرئيسية - Emirates Global Aluminium وAluminium Bahrain (Alba) - بتوريد منتجاتها إلى أسواق أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.
غير أن هذا التركيز العالي للإنتاج في منطقة واحدة له جانب سلبي: فأي مشاكل جيوسياسية أو لوجستية في الشرق الأوسط قادرة على زعزعة استقرار سوق الألمنيوم العالمية بسرعة.
عنق الزجاجة
تكمن المشكلة الأساسية في اللوجستيات. فتقريباً كل صادرات الألمنيوم من دول الخليج الفارسي تمر عبر مضيق هرمز - أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. من خلاله يصل الألمنيوم إلى الأسواق الخارجية، وتُنقل إلى المصانع خامات البوكسيت والألومينا اللازمة للإنتاج.
لهذا السبب بالتحديد انعكس تصعيد الصراع حول إيران بهذه السرعة على سوق الألمنيوم. الملاحة في المضيق مشلولة فعلياً الآن: معظم السفن التجارية تتجنب المرور عبر هذا الطريق بعد سلسلة من الهجمات. ارتفعت أقساط التأمين للرحلات إلى الخليج الفارسي بشكل حاد، كما رفض بعض شركات التأمين مؤقتاً تغطية مثل هذه الشحنات.
في هذا السياق، أعلن دونالد ترامب عن تدابير لدعم الملاحة: الولايات المتحدة مستعدة لتوفير تأمين للنقل البحري عبر الخليج الفارسي بأسعار معقولة، وعند الضرورة يمكن للقوات البحرية الأمريكية مرافقة السفن التجارية وناقلات النفط عبر مضيق هرمز. لكن هذه التدابير قادرة فقط على تقليل المخاطر جزئياً - فهي لا تزيل خطر الهجمات ولا تضمن استعادة اللوجستيات الطبيعية.
تفاقم الوضع بعد أن أعلن أكبر منتج في المنطقة - Alba - القوة القاهرة على جزء من العقود، محذراً العملاء من احتمال تأخر الإمدادات.
لماذا ترتفع الأسعار بهذه السرعة
فاقمت الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط من حدة التوترات القائمة أصلاً في سوق الألمنيوم العالمية.
أولاً، يواجه القطاع منذ عدة سنوات قيوداً على جانب العرض. ففي أعقاب أزمة الطاقة، خفضت أكثر من نصف مصانع الألمنيوم في أوروبا إنتاجها. وقد جعلت أسعار الكهرباء المرتفعة تشغيل عدد من المصانع غير مجدٍ اقتصادياً، حيث تم تقليص الطاقات الإنتاجية في ألمانيا وهولندا وسلوفاكيا ورومانيا على وجه الخصوص. ونتيجة لذلك، أصبحت السوق الأوروبية تعتمد بشكل أكبر بكثير على استيراد المعدن.
ثانياً، أدى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بالفعل إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز. فوفقاً لبيانات 6 مارس 2026، اقتربت أسعار خام Brent من 90 دولاراً للبرميل (بزيادة 45% منذ بداية العام)، بينما بلغ سعر الغاز في أوروبا في بورصة ICE نحو 785 دولاراً لكل ألف متر مكعب، وهو مستوى قياسي منذ يناير 2023. ونظراً لأن إنتاج الألمنيوم يعتمد بشكل مباشر على تكلفة الكهرباء، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي تلقائياً إلى زيادة تكلفة إنتاج المعدن.
وتلعب الصين دوراً خاصاً باعتبارها أكبر منتج للألمنيوم في العالم، إذ تمثل نحو 60% من الإنتاج العالمي للمعدن. غير أن إمكانيات زيادة الإنتاج في البلاد محدودة بسبب سقف الطاقة الإنتاجية الذي فرضته السلطات عند حوالي 45 مليون طن سنوياً. وقد فُرضت هذه القيود للحد من الانبعاثات ومنع الإفراط في الإنتاج، لكن النتيجة الآن هي أن الصين لا تستطيع تعويض الانقطاعات المحتملة في الإمدادات من مناطق أخرى بسرعة.
وأخيراً، تشكل توقعات المشاركين في السوق ضغطاً إضافياً. فخشية من انقطاع الإمدادات، تسعى الشركات إلى زيادة مخزوناتها الاستراتيجية من الألمنيوم، مما يدعم أيضاً ارتفاع الأسعار. وفي الوقت نفسه، ظلت مخزونات المعدن في السنوات الأخيرة عند مستويات منخفضة نسبياً، مما يجعل السوق أكثر حساسية لأي أخبار عن احتمال حدوث اضطرابات في الإمدادات.
روسيا في صناعة الألمنيوم العالمية
في هذا السياق، يثير وضع روسيا اهتماماً خاصاً. فالبلاد تُعد تقليدياً من بين أكبر منتجي الألمنيوم في العالم: بحجم إنتاج يبلغ 3.8 مليون طن سنوياً (حوالي 5-6% من الإنتاج العالمي)، لا تتخلف روسيا سوى عن الصين والهند. والمنتج الرئيسي هو شركة Rusal، التي تُعد من بين أكبر شركات الألمنيوم في العالم.
على عكس العديد من المنافسين، تعتمد المؤسسات الروسية بشكل أساسي على الطاقة الكهرومائية. فمعظم مصانع الألمنيوم تقع في سيبيريا وتحصل على الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية. وهذا يقلل من البصمة الكربونية للإنتاج ويجعل المعدن الروسي منافساً من حيث التكاليف.
بعد عام 2022، واجه قطاع الألمنيوم الروسي ضغوطاً عقابية متزايدة. فقد حظرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة استيراد شحنات جديدة من الألمنيوم الروسي وقيدتا تداوله في بورصاتهما. كما يشدد الاتحاد الأوروبي القيود تدريجياً، بما في ذلك حظر جزء من إمدادات الألمنيوم المعاد تدويره من روسيا (الأسلاك والرقائق والأنابيب)، ثم حظر استيراد الألمنيوم الأولي. ونتيجة لذلك، تراجعت حصة المعدن الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي من نحو 16% في عام 2021 إلى 5% بحلول عام 2024، ما دفع المنتجين إلى إعادة توجيه صادراتهم بشكل أكثر نشاطاً نحو أسواق آسيا.
تخلق الأزمة في الشرق الأوسط لروسيا فرصة سعرية أكثر من كونها نقطة تحول استراتيجية. فارتفاع الأسعار العالمية يزيد من عائدات التصدير للمنتجين ويعوض جزئياً القيود المفروضة في السنوات الأخيرة. وحتى دون زيادة حجم الإمدادات، فإن ارتفاع سعر المعدن يحسن المؤشرات المالية للقطاع، وخاصة شركة روسال. علاوة على ذلك، إذا استمرت اضطرابات الإمدادات من دول الخليج الفارسي، فقد يُعاد توزيع جزء من الطلب مؤقتاً لصالح منتجين بديلين، بما في ذلك روسيا.
غير أن إمكانات هذا المكسب محدودة. فقطاع الألمنيوم الروسي تكيف بالفعل مع الظروف التجارية الجديدة وأعاد توجيه صادراته إلى حد كبير نحو أسواق آسيا. كما أن إمكانيات زيادة الإنتاج بسرعة محدودة أيضاً، والقيود العقابية لا تزال تؤثر على هيكل التجارة. لذلك، فإن القفزة السعرية الحالية ستعزز مواقع الشركات الروسية في التشكيلة الحالية للسوق أكثر من أن تؤدي إلى نمو ملحوظ في حصة روسيا في صناعة الألمنيوم العالمية.