هل يمكن تحقيق التنمية المستدامة في اقتصاد قائم على الموارد الأولية؟
تحليل التنمية المستدامة في المناطق الروسية في ظل اقتصاد يعتمد على الموارد الأولية. الكفاءة البيئية والاقتصادية، والابتكارات المؤسسية، وآفاق التحول نحو التقنيات المتوافقة مع الطبيعة.
7 د قراءة
مشاركة:
ملخص بالذكاء الاصطناعي
النمو الاقتصادي لروسيا في القرن الحادي والعشرين كان قائماً على النموذج الخام، مما خلق مخاطر عدم المساواة والمشاكل البيئية. بفضل الابتكارات المؤسسية وإعادة توزيع الريع الطبيعي، تم تحقيق تنمية مستدامة نسبياً في عدد من المناطق. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى نموذج نمو جديد يتطلب إدخال تقنيات متقدمة فعالة بيئياً، والوصول إليها محدود بسبب العقوبات.
ارتكز النمو الاقتصادي في روسيا خلال القرن الجديد إلى حد كبير على استغلال الثروات الطبيعية، وهو ما كان من شأنه أن يولّد تفاوتاً مفرطاً ومخاطر بيئية تتفاقم بفعل التغير المناخي. غير أن جملة من الابتكارات، بما فيها المؤسسية، أتاحت تحقيق تنمية مكانية مستدامة نسبياً وكفاءة في عدد من الاقتصادات الإقليمية. ويتطلب رفع الكفاءة البيئية والاقتصادية اعتماد تقنيات متقدمة، باتت أقل توفراً في ظل القيود الخارجية.
المصادر (13)
Распоряжение Правительства РФ от 21.02.2026 N 337-р «Об основных принципах и приоритетных направлениях развития природоподобных технологий в Российской Федерации»
Башмаков И.А. Стратегия низкоуглеродного развития российской экономики. Вопросы экономики. 2020;(7):51-74.
Земцов С. П., Кидяева В. М., Баринова В. А., Ланьшина Т. А. (2020). Экологическая эффективность и устойчивое развитие регионов России за двадцатилетие сырьевого роста. Экономическая политика, 15(2), 18–47. Zemtsov S., Barinova V. Ecological Efficiency and Sustainable Regional Development in Russia //Environmental Sciences Proceedings. 2022. Т. 15. №. 1.
Земцов С. П., Кидяева В. М., Баринова В. А., Ланьшина Т. А. (2020). Экологическая эффективность и устойчивое развитие регионов России за двадцатилетие сырьевого роста. Экономическая политика, 15(2), 18–47. Zemtsov S., Barinova V. Ecological Efficiency and Sustainable Regional Development in Russia //Environmental Sciences Proceedings. 2022. Т. 15. №. 1.
Битюкова В. Р. Экономико-географическая оценка экологических последствий трансформации территориально-отраслевой структуры хозяйства в России в 1990–2012 гг. М., 2014.
Sustainable Development Goals. UN.
Баринова В. А., Земцов С. П. Инклюзивный рост и устойчивость регионов России //Регион: экономика и социология. 2019. №. 1. С. 23–46.
Бобылев С. Н., Кудрявцева О. В., Соловьева С. В. Индикаторы устойчивого развития для городов // Экономика региона. 2014. No 3. C. 101–110.
Медоуз Д. Х., Медоуз Д. Л., Рандерс Й. Пределы роста: 30 лет спустя. М. БИНОМ. Лаборатория знаний, 2014.
Stiglitz J. E., Sen A., Fitoussi J. P. (2009). The measurement of economic performance and social progress revisited (Vol. 33, pp. 1-63). France: Ofce.
Указ Президента Российской Федерации от 07.05.2024 г. № 309 «О национальных целях развития Российской Федерации на период до 2030 года и на перспективу до 2036 года».
Росгидромет. Третий оценочный доклад об изменениях климата и их последствиях на территории Российской Федерации. Zemtsov S., Shartova N., Varentsov M., Konstantinov P., Kidyaeva V., Shchur A., Grischchenko, M. (2020). Intraurban social risk and mortality patterns during extreme heat events: A case study of Moscow, 2010-2017. Health & place, 66, 102429.
Идрисов ГИ., Мау В. А., Божечкова А. В. В поисках новой модели роста // Вопросы экономики. 2017. №. 12. С. 5–23.
في الألفية الجديدة، اعتمد الاقتصاد الروسي في المقام الأول على نموذج نمو قائم على المواد الخام، استند بشكل كبير إلى تصدير النفط والغاز وغيرهما من المعادن ومنتجات معالجتها الأولية1. فهل يمكن وصف هذا النمو بأنه مستدام لجميع مناطق البلاد، أي قابل للاستمرار على المدى الطويل ومتوافق مع الحفاظ على البيئة والأجيال القادمة؟ وألا تبدو مخاطر هذا النموذج مرتفعة أكثر من اللازم مستقبلاً؟ في ظل الارتفاع المؤقت للأسعار واحتمال تخفيف العقوبات على المحروقات الروسية (نتيجة الصراعات في الشرق الأوسط)، اشتدت النقاشات حول محركات النمو المستقبلية.
في ظل المعطيات الجيوسياسية الجديدة، تبدو قضايا البيئة والتغيرات المناخية أقل أهمية، لكنها تظل راهنة. فعلى المدى الطويل، من المرجح أن تتزايد القيود البيئية التي تفرضها الدول المتقدمة على تصدير المنتجات ذات البصمة الكربونية الملحوظة، كما أن تراجع ملاءمة بيئة العيش للبشرية لا يزال يستدعي مقاربات عالمية جديدة لاقتصاد التنمية.
تحمل التغيرات البيئية والطبيعية تهديدات كبيرة لتنمية روسيا، تختلف باختلاف المناطق:
ذوبان التربة الصقيعية الدائمة في الشمال والجبال يؤدي إلى تدمير البنية التحتية، خاصة في مناطق استخراج النفط والغاز؛
تزايد عدد الظواهر الطبيعية الخطرة يصاحبه معاناة بشرية وخسائر اقتصادية2، وهو ما تؤكده الفيضانات الأخيرة في داغستان؛
تنامي التفاوت الإقليمي في الحصول على بيئة نظيفة وآمنة يزيد من مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي.
ليس من قبيل الصدفة أن يرتبط أحد محاور الأهداف الوطنية لتنمية روسيا حتى عام 2030 بالرفاه البيئي3، كما يُفترض أيضاً رصد المواد النشطة مناخياً وتطبيق برامج التكيف مع التغيرات المناخية.
ما هي التنمية المستدامة والكفاءة البيئية-الاقتصادية؟
في الأدبيات العلمية الأجنبية، وبعد أعمال الحائز على جائزة نوبل من أصول روسية سايمون كوزنتس (1901-1985)، ساد لفترة طويلة نهج اعتُبر فيه النمو الاقتصادي المعيار الرئيسي لنجاح الدولة. غير أنه مع مرور الوقت، بات واضحاً أن نمو الناتج المحلي الإجمالي غالباً ما يصاحبه تزايد في التفاوت وتلوث البيئة، مما يقوّض فرص الأجيال القادمة4. كما تبيّن أن موارد الكوكب وقدرة النظم البيئية الطبيعية ليست بلا حدود5. وهكذا، ظهر مفهوم التنمية المستدامة (ذاتية الاستدامة)6، والتي تفترض:
نمواً اقتصادياً متوازناً يقوم على استخدام أكثر كفاءة للموارد، بما في ذلك الموارد الطبيعية؛
تنمية اجتماعية متناغمة7: وصول متساوٍ وعادل إلى المنافع لكل من الأجيال الحالية والمستقبلية؛
معالجة المشكلات البيئية: الحفاظ على النظم البيئية الطبيعية والحد من التلوث.
وفي ضوء هذه المبادئ، وضعت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة حتى عام 2030.8 تعلن معظم الدول التزامها بأهداف التنمية المستدامة، إلا أن اتساع نطاقها وغياب آليات فعالة لحث الدول على اتخاذ إجراءات ملموسة يجعل هذه الأجندة برمتها ضبابية إلى حد كبير. ولا يزال اختيار الأهداف والمؤشرات يمثل تحدياً معقداً وكثيراً ما يتعرض للانتقاد.
الكفاءة البيئية-الاقتصادية — أحد المؤشرات الممكنة. ويُعتبر الاقتصاد أكثر كفاءة بيئياً إذا كان ينتج مزيداً من المنتجات "النظيفة" باستخدام موارد أقل9 وبأضرار بيئية أقل. ولحساب ذلك، اقترح المؤلف10 استخدام نسبة إنتاج السلع والخدمات غير الأولية إلى تكاليف الموارد (العمالة ورأس المال والمواد الخام) و التكاليف المستقبلية (التلوث). وبالتالي، يمكن اعتبار الجمع بين النمو الاقتصادي والكفاءة البيئية-الاقتصادية مؤشراً على تطبيق نموذج (سيناريو) التنمية المستدامة.
نتائج تحليل الاتجاهات طويلة الأجل في مناطق روسيا
شهدت الكفاءة البيئية-الاقتصادية نمواً في معظم المناطق الروسية منذ عام 2003 باستثناء سنوات الأزمات. ويعود ذلك إلى ارتفاع حصة قطاع الخدمات ذي التأثير الأقل على البيئة، وإغلاق أو تحديث عدد من المنشآت الإنتاجية القديمة. علاوة على ذلك، يجري تنفيذ مشاريع في السنوات الأخيرة لخفض حجم المياه الملوثة والانبعاثات في الغلاف الجوي. الأزمات (2008، 2014، 2020) أدت إلى تراجع كفاءة الاقتصاد: حيث فاق انخفاض الإنتاج تقلص تكاليف الموارد.
وكانت المناطق الرائدة في نمو الكفاءة هي موسكو وسانت بطرسبورغ ومقاطعات سفيردلوفسك وتومسك وبيلغورود وكالينينغراد، وهي مناطق تتميز بنسبة عالية من الخدمات كثيفة المعرفة ذات البصمة الكربونية المنخفضة، وأنظمة متطورة للرصد البيئي، وجاذبية استثمارية عالية لمشاريع جديدة أكثر حداثة. بينما في عدد من المناطق الشمالية والسيبيرية انخفضت الكفاءة بسبب الحصة الكبيرة للصناعات الاستخراجية.
أما نموذج التنمية المستدامة فقد طُبّق في روسيا في سنوات محددة (2003-2007، 2010، 2012-2013، 2016) وكان سمة مميزة لربع الحالات الإقليمية. وفي ثلث الحالات، لوحظ نموذج النمو الموسع: حيث نما الناتج المحلي الإجمالي مع انخفاض الكفاءة.
في 43 من أصل 81 منطقة خضعت للدراسة تم تطبيق نموذج التنمية المستدامة بوتيرة أكبر من السيناريوهات الأخرى، على سبيل المثال لمدة لا تقل عن 11 عاماً في سانكت بطرسبورغ ومناطق لينينغراد وتولا وليبيتسك وفولوغدا وتامبوف وأوريول.
توصيات لتنفيذ سياسة التنمية المستدامة
استناداً إلى نتائج التحليل الاقتصادي القياسي حول تحديد عوامل تعزيز الكفاءة البيئية والاقتصادية11، يمكن اقتراح بعض التدابير التالية:
تحسين المناخ الاستثماري وتحفيز النشاط التجاري في القطاعات غير النفطية من خلال توسيع الأنظمة التفضيلية، وتطبيق معايير استثمارية إقليمية ومحلية، وترتيب أولويات الإجراءات؛
دعم تطوير الاقتصاد الدائري والاقتصاد الحيوي، بما في ذلك تطبيق التقنيات المحاكية للطبيعة، من خلال تحديد أولويات تدابير الدعم، وتحسين آليات المسؤولية الموسعة للمنتجين؛
في إطار استراتيجية تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، رفع كفاءة استخدام الطاقة12 في المباني وخفض كثافة استهلاك الموارد في الإنتاج من خلال تحسين المعايير البيئية، وتطبيق التدقيق البيئي والأدوات المالية الجديدة: السندات الخضراء، وسوق حصص الانبعاثات وغيرها، والاستفادة من تجربة تجربة سخالين في مناطق أخرى؛
توسيع نطاق استخدام الأنظمة الآلية والمستقلة للرصد البيئي، لا سيما في المدن، إلى جانب تطوير أنظمة الرصد الهيدرومترولوجي للوقاية من الظواهر الطبيعية الخطرة؛
دعم تطوير تقنيات جديدة في مجال مصادر الطاقة المتجددة وتطبيقها، خاصة في عدد من المناطق النائية: طاقة الرياح والطاقة الشمسية وطاقة المد والجزر والطاقة الحرارية الأرضية وغيرها، بما في ذلك بالتعاون مع الشركاء الصينيين؛
تحفيز تطوير النقل العام الكهربائي في المدن الكبرى: تحديث أسطول المركبات، وتخصيص حارات مرورية، ومسارات للدراجات الهوائية، ومحطات شحن، وغير ذلك؛
تطوير وتوسيع نظام المحميات الطبيعية والأنشطة المرتبطة بها بالتزامن مع توسيع وظيفتها التوعوية (السياحة البيئية).
الخلاصة: هل التقنيات المحاكية للطبيعة مفتاح نموذج النمو الجديد؟
تُعد روسيا دولة فريدة من نوعها، تمتلك أكبر احتياطيات من المواد الخام في العالم، وبفضل اتساع نظمها البيئية الطبيعية تؤثر بشكل كبير على العمليات المناخية العالمية. وهذا يحتّم استحالة استبعاد البلاد بالكامل من الأجندة العالمية، ويفرض قيوداً معينة على خيارات سيناريوهات تنميتها.
وفقاً لتجربة عدد من الدول (فنزويلا، بوليفيا، العراق وغيرها)، فإن تطبيق نموذج النمو القائم على الموارد الأولية دون التعقيد الكافي للاقتصاد ومنظومة الإدارة لمراعاة المخاطر الاجتماعية والبيئية والمناخية قد يؤدي إلى تركيز مفرط للثروات، وتدهور البيئة ونوعية الحياة في مناطق معينة ("لعنة الموارد"). وقد نجحت روسيا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين في تخفيف هذه المخاطر المتعلقة بالتفاوت المكاني من خلال مؤسسات مالية وضريبية أُنشئت خصيصاً لهذا الغرض، تهدف إلى ادخار وإعادة توزيع الريع الطبيعي بين المناطق والقطاعات. ومن بين هذه المؤسسات يمكن الإشارة إلى صناديق الاستقرار، ونظام التحويلات بين الميزانيات، ومؤسسات التنمية، والأنظمة التفضيلية وغيرها. ونتيجة لذلك، تم تطبيق نموذج التنمية المستدامة في العديد من المناطق، يجمع بين نمو الاقتصاد وكفاءته البيئية. ويُعتبر إطلاق مشاريع جديدة في القطاعات غير الأولية بتقنيات أكثر تطوراً العامل الأكثر أهمية في نمو هذه الكفاءة؛ كما لعبت الإجراءات البيئية دورها أيضاً.
وتحتفظ غالبية المناطق بإمكانات كبيرة لتحسين الكفاءة البيئية والاقتصادية، بينما شهدت بعض المراكز المنتجة للموارد الأولية انخفاضاً مستمراً في هذه الكفاءة. ويتطلب الانتقال إلى نموذج تنمية جديد مجموعة كاملة من الحلول التكنولوجية، التي أصبحت أقل توفراً في ظل القيود الخارجية. ويتضح بشكل متزايد من خلال مثال الصين أن التحول الاقتصادي منخفض الكربون، بما في ذلك تطوير التقنيات المحاكية للطبيعة، يمكن أن يصبح محركاً للنمو الاقتصادي، وأن التخلف في هذا السباق التكنولوجي العالمي يشكل تهديدات للأمن الاقتصادي13.
وللإجابة على السؤال الرئيسي: التنمية المستدامة للاقتصاد القائم على المواد الخام ممكنة بشكل محدود، لكنها تتطلب جهوداً إضافية، فيما تبقى مخاطر هذا النموذج مرتفعة وآخذة في التزايد. «لم ينته العصر الحجري لأن الحجارة نفدت»، وكذلك ستنتهي حقبة النفط يوماً ما مع تغير التقنيات. يعتمد المستقبل على ما إذا كانت الدول والمناطق قادرة على جعل تطوير وتطبيق التقنيات الفعالة بيئياً والمؤسسات التحفيزية المناسبة جزءاً فاعلاً من الاستراتيجية طويلة الأجل، أي الجمع بين التقدم الاقتصادي والاهتمام بالأجيال القادمة.